لم يعد استخدام الطاقة الشمسية في تشغيل أنظمة الري مجرد خيار للطاقة النظيفة، بل يتحول تدريجيًا إلى أحد المسارات التي تربط بين إدارة المياه والطاقة والتكيف مع الجفاف واستصلاح الأراضي، خصوصًا في المناطق الزراعية الجديدة التي تحتاج إلى حلول مستقرة لتشغيل شبكات الري.
وفي أغسطس الماضي، عرضت مصر، بالتعاون مع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو»، تجربة أنظمة الري الحديثة التي تعمل بالطاقة الشمسية باعتبارها نموذجًا يمكن الاستفادة منه في مواجهة الجفاف وتحسين الإدارة المستدامة للأراضي.
المياه والطاقة في منظومة واحدة
الفكرة الأساسية في أنظمة الري الشمسية تتمثل في استخدام الطاقة المنتجة من الألواح الشمسية لتشغيل المضخات ومكونات شبكة الري، بما يسمح بتقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية في المناطق الزراعية.
لكن أهمية التجربة بالنسبة لمصر تتجاوز مسألة تكلفة تشغيل المضخة.
ففي الأراضي الجديدة والمناطق الصحراوية، يمثل الوصول إلى مصدر مياه مناسب وتشغيل منظومة الضخ بصورة مستمرة تحديًا رئيسيًا أمام التوسع الزراعي. ومن ثم، فإن دمج الطاقة الشمسية مع الري الحديث يمكن أن يساعد في بناء منظومة أكثر استقلالًا، خصوصًا عندما يقترن ذلك بشبكات تنقيط أو نظم ري مصممة لتوصيل المياه مباشرة إلى منطقة جذور النبات.
وخلال فعالية استضافها الجناح المصري في الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، عرضت «فاو» ووزارة الموارد المائية والري التجربة المصرية للري الحديث الجماعي الذي يعمل بالطاقة الشمسية باعتباره نموذجًا للتعامل مع الجفاف وتدهور الأراضي وندرة المياه.
وتشير التجربة إلى أهمية النظر إلى الري والطاقة والزراعة باعتبارها منظومة واحدة بدلًا من التعامل مع كل ملف بصورة منفصلة.
لماذا تحتاج مصر إلى هذه الحلول؟
تأتي هذه الاتجاهات في ظل توجه أوسع داخل مصر نحو رفع إنتاجية وحدة المياه والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة.
كما أن التعاون الدولي في هذا المجال يتزايد. ففي مشروعات سابقة، تعاونت «فاو» مع وزارة الموارد المائية والري ووزارة الزراعة على تطوير ممارسات استخدام المياه، وشملت مشروعات تطبيق أنظمة ري حديثة تعمل بالطاقة الشمسية في مناطق زراعية، إلى جانب تجارب لتحسين شبكات الري ورفع الإنتاجية.
وفي السياق نفسه، تشير دراسات حديثة إلى أن إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي تمثل عنصرًا مهمًا في مواجهة محدودية المياه في مصر، مع الحاجة إلى إدارة دقيقة لجودة المياه قبل استخدامها في الري.
وهنا تظهر أهمية الجمع بين أكثر من حل بدلًا من البحث عن تقنية واحدة قادرة على حل مشكلة المياه.
فالري الحديث يمكن أن يقلل الفاقد، والطاقة الشمسية يمكن أن توفر مصدرًا لتشغيل المضخات، والاستشعار والرقمنة يمكن أن يساعدا في تحديد احتياجات المحاصيل، بينما يمكن لإعادة استخدام المياه أن تضيف مصدرًا مائيًا إلى المنظومة وفق الضوابط الفنية والبيئية.
وتزداد أهمية هذه المقاربة في الأراضي الجديدة، حيث تكون تكلفة البنية الأساسية أعلى، ويحتاج المستثمر أو المزارع إلى حساب تكلفة المياه والطاقة والإنتاج في الوقت نفسه.
كما أن الاعتماد على الطاقة الشمسية قد يتيح فرصًا جديدة للمناطق التي يصعب فيها الوصول إلى شبكات الكهرباء التقليدية، بشرط أن تكون منظومة التصميم والصيانة مناسبة لطبيعة المشروع الزراعي.
وبالنسبة إلى المزارع، فإن السؤال الأساسي لا ينبغي أن يكون فقط «هل الطاقة الشمسية توفر كهرباء؟»، وإنما «هل الجمع بين الطاقة الشمسية والري الحديث يجعل إنتاج المحصول أكثر كفاءة واستدامة اقتصاديًا؟».
وهذا هو الاتجاه الذي يجعل التكنولوجيا الزراعية ذات قيمة حقيقية: عندما تتحول من معدات منفصلة إلى منظومة متكاملة تخفض استهلاك الموارد وتحسن إدارة الأرض والمياه والطاقة في الوقت نفسه.

