تتصاعد الدعوات في أفريقيا إلى زيادة الاستثمارات في شبكات الري قبل تأثيرات موجات الجفاف المرتبطة بالتغيرات المناخية، مع تحذيرات من أن استمرار الاعتماد على الزراعة المطرية يجعل إنتاج الغذاء في أجزاء واسعة من القارة أكثر تعرضًا للصدمات المناخية.
وجاءت الدعوات خلال منتدى النظم الغذائية الأفريقية في كيغالي، حيث طالب مسؤولون وخبراء بزيادة الاستثمار في أنظمة الري وتوسيع نطاق استخدامها، خصوصًا بين صغار المزارعين، باعتبارها أحد الأدوات الرئيسية لتقليل الاعتماد على الأمطار وتحسين استقرار الإنتاج الزراعي.
95% من الأراضي تعتمد على الأمطار
تكشف الأرقام التي عرضها تقرير «إنتر بريس سيرفيس» عن حجم الفجوة؛ إذ تعتمد نحو 95% من الأراضي الصالحة للزراعة في أفريقيا بصورة كبيرة على مياه الأمطار، بينما لا تخضع سوى نحو 5% من الأراضي الزراعية للري.
وتشير المقارنة إلى أن آسيا تمتلك مستوى انتشار للري يزيد بنحو سبعة أضعاف عن أفريقيا، رغم أن القارة الأفريقية تمتلك نحو 9% من موارد المياه العذبة المتجددة في العالم.
وتصبح المشكلة أكثر وضوحًا عند النظر إلى تأثير موجات الجفاف الأخيرة. ففي موسم 2023/2024 الزراعي، أدى الجفاف المرتبط بظاهرة «إل نينيو» إلى واحدة من أشد فترات الجفاف في جنوب أفريقيا منذ أكثر من أربعة عقود، وأصاب إنتاج الذرة المطرية في عدد من الدول، بينها بوتسوانا وليسوتو ومالاوي وناميبيا وزامبيا.
وبحسب التقرير، تجاوز عدد الأشخاص الذين واجهوا خطر انعدام الأمن الغذائي في هذه الدول 26 مليون شخص، فيما أعلنت عدة حكومات حالات كوارث وطنية لمواجهة آثار الجفاف.
ولا ينظر الخبراء إلى الري باعتباره مجرد وسيلة لتعويض نقص الأمطار، وإنما باعتباره جزءًا من إعادة بناء قدرة الزراعة على مواجهة التغيرات المناخية.
من شبكات الري إلى اقتصاد زراعي جديد
وتكتسب الدعوة أهمية إضافية مع توقع تأثيرات جديدة لظاهرة «إل نينيو» على الموسم الزراعي 2026/2027 في أجزاء من جنوب القارة.
وقال وزير الزراعة النيجيري أبوبكر كياري خلال المنتدى إن التكنولوجيا والكوادر موجودة، لكن المطلوب هو العمل الجماعي لتوسيع نطاق أنظمة الري الموجودة بالفعل. كما دعا إلى تفعيل الإطار الأفريقي لتطوير الري وإدارة المياه الزراعية، وهو إطار وضعته القارة لدعم الأمن الغذائي والتكيف مع التغير المناخي وتحديث الزراعة.
وتتجاوز القضية توفير المياه إلى سؤال أكثر تعقيدًا يتعلق بتمويل شبكات الري. فتكلفة إنشاء البنية الأساسية، خصوصًا في المناطق الريفية، قد تكون مرتفعة بالنسبة لصغار المزارعين، وهو ما يجعل التمويل العام والشراكات مع القطاع الخاص والمؤسسات التنموية عنصرًا حاسمًا.
كما أن التوسع في الري يحتاج إلى إدارة مستدامة للمياه حتى لا تتحول زيادة المساحات المروية إلى ضغط جديد على الموارد المائية.
وتشير المناقشات الأفريقية إلى أهمية الجمع بين شبكات الري الحديثة والبيانات والتقنيات الرقمية، بحيث لا يكون الهدف مجرد توفير المياه، وإنما استخدامها في الوقت والكمية المناسبين للمحصول.
وهنا تبرز أهمية التجربة الأفريقية بالنسبة إلى مصر والدول العربية؛ فالتحديات المتعلقة بالمياه والمناخ ليست منفصلة بين القارات، وتطوير حلول أقل استهلاكًا للمياه أصبح مرتبطًا بصورة مباشرة باستقرار الإنتاج الزراعي وأسعار الغذاء.
كما أن التوسع في الري يمكن أن يفتح مجالات اقتصادية جديدة في المناطق الريفية، بدءًا من خدمات صيانة وتشغيل شبكات الري، مرورًا بالتصنيع المحلي للمكونات، وصولًا إلى سلاسل القيمة المرتبطة بالمحاصيل التي يمكن إنتاجها بصورة أكثر انتظامًا.
وبالتالي، فإن الاستثمار في الري لم يعد مشروعًا هندسيًا منفصلًا عن الزراعة، وإنما أصبح جزءًا من سياسة الأمن الغذائي والتكيف المناخي والتنمية الريفية.

