في خطوة جديدة تعكس تحول ملف الأشجار من قضية مرتبطة بالتجميل والنظافة إلى ملف ذي أبعاد بيئية وزراعية وتنموية، وجه رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، خلال اجتماع مجلس المحافظين، بالالتزام بحظر قطع الأشجار نهائيًا، مع عدم التعامل مع أي حالات استثنائية إلا بعد الرجوع إلى وزارتي التنمية المحلية والبيئة.
وتزامن التوجيه مع تكليف المحافظات بإعداد خطة تنفيذية للتشجير، تستهدف زيادة المساحات الخضراء واستغلال المساحات الخالية داخل المدن والمحافظات، وتشجير المحاور والطرق الرئيسية ومداخل المدن والقرى والجزر الوسطى للطرق.
وتأتي هذه التحركات في وقت يتجدد فيه النقاش داخل مصر حول إدارة الثروة الشجرية، في ظل التوسع العمراني ومشروعات الطرق من ناحية، والمبادرة الرئاسية لزراعة 100 مليون شجرة من ناحية أخرى.
حظر القطع.. وتغيير طريقة التعامل
أكد مدبولي خلال اجتماع مجلس المحافظين، الذي عقد في 14 سبتمبر، ضرورة الالتزام بالتكليفات الخاصة بحظر قطع الأشجار نهائيًا، على أن تتم العودة إلى وزارتي التنمية المحلية والبيئة في الحالات التي تستدعي التعامل مع الأشجار. كما وجه بزيادة المسطحات الخضراء في مختلف المحافظات، وتحويل أي مساحة يتم إخلاؤها إلى مساحة خضراء.
ولا يقتصر التوجيه الحكومي على منع إزالة الأشجار، وإنما يتضمن تغييرًا في طريقة التخطيط للتشجير نفسه؛ إذ طلب رئيس الوزراء وضع خطة تشمل المحاور والطرق الرئيسية ومداخل المدن والقرى والجزر الداخلية للطرق، مع استغلال المساحات الخالية فورًا في أعمال التشجير.
وتتضمن الخطة كذلك الاستعانة باستشاريين متخصصين لاختيار أنواع الأشجار التي تتناسب مع طبيعة كل منطقة، إلى جانب الاعتماد على مياه الري الناتجة عن محطات المعالجة الثلاثية، وهو ما يربط التوسع في الغطاء الشجري بملف إدارة المياه وليس بمجرد زيادة أعداد الأشجار.
وفي اليوم نفسه، أوضح المتحدث الرسمي باسم مجلس الوزراء أن الحالات التي قد تستدعي التعامل مع الأشجار بسبب أعمال التوسعات ستخضع للمراجعة، مع بحث بدائل مثل نقل الأشجار بدلًا من إزالتها. كما أشار إلى تشكيل لجنة استشارية من الخبراء والمتخصصين لتحديد الأنواع المناسبة لكل محافظة وفق طبيعة الأراضي والظروف المناخية واحتياجات المياه.
وهذا يعني أن السياسة الجديدة تتجه، على المستوى المعلن، إلى التعامل مع الشجرة باعتبارها عنصرًا يجب إدخاله في التخطيط للمشروعات، وليس عائقًا يتم التعامل معه بعد وضع التصميمات.
100 مليون شجرة.. أين وصلت المبادرة؟
تأتي التوجيهات الأخيرة بالتوازي مع المبادرة الرئاسية «100 مليون شجرة»، التي أطلقت عام 2022 وتستمر لمدة سبع سنوات حتى عام 2029.
ووفق بيانات عرضتها الدكتورة منى القصير، رئيس الإدارة المركزية للمحاصيل الزراعية بوزارة الزراعة، في وقت سابق من سبتمبر، تم تنفيذ أربع مراحل من المبادرة، شهدت زراعة نحو 4.97 مليون شجرة في المرحلة الأولى، و2.57 مليون في الثانية، و614 ألفًا في الثالثة، و414 ألفًا في الرابعة، بإجمالي يتجاوز 8.5 مليون شجرة. وأعلنت بدء التنسيق للمرحلة الخامسة بالتعاون مع وزارتي التنمية المحلية والبيئة، لتوريد الأشجار وتوزيعها على المحافظات.
ولا تستهدف المبادرة زيادة المساحات الخضراء من أجل المظهر الجمالي فقط، بحسب وزارة الزراعة، إذ تشمل أهدافها تحسين جودة الهواء وزيادة نصيب الفرد من المساحات الخضراء وخفض الانبعاثات، مع توجيه جزء من عمليات التشجير إلى الأشجار المثمرة والأنواع ذات العائد الاقتصادي.
وأشارت القصير إلى أن اختيار الأنواع الزراعية والشجرية لا يتم بصورة عشوائية، وإنما يراعي الطبيعة المناخية لكل محافظة، سواء في الوجه البحري أو القبلي، فيما تشمل الأنواع التي جرى التوسع فيها أشجارًا مثمرة وأشجارًا يمكن الاستفادة من أخشابها مستقبلًا.
وتكشف هذه السياسة عن محاولة للجمع بين البعد البيئي والبعد الاقتصادي في التشجير؛ فالشجرة المثمرة يمكن أن توفر إنتاجًا غذائيًا، بينما توفر الأشجار الخشبية قيمة اقتصادية على المدى الطويل، إلى جانب الخدمات البيئية التي توفرها الأشجار داخل المدن والمناطق الزراعية.
من يزرع؟ ومن يحمي الأشجار؟
لكن أحد أبرز التحديات التي تواجه سياسة الأشجار في مصر يتعلق بتوزيع المسؤوليات بين الجهات المختلفة.
وقال نقيب الزراعيين سيد خليفة، في تصريحات نشرتها «المال» في 14 سبتمبر، إن مصر تمتلك حاليًا نحو 175 مليون شجرة، بينها قرابة 150 مليون شجرة مثمرة تشمل النخيل والموالح والزيتون والحمضيات، إضافة إلى نحو 25 مليون شجرة خشبية وأشجار زينة. وتغطي الأشجار، وفق تصريحاته، نحو مليوني فدان من الأراضي الزراعية.
وأوضح خليفة أن ملف التشجير موزع بين جهات متعددة؛ فوزارة الزراعة لديها إدارة للتشجير، كما تضطلع وزارة البيئة بأدوار في الملف، بينما توجد إدارات وهيئات للنظافة والتشجير داخل المحافظات.
ويرى نقيب الزراعيين أن تداخل الاختصاصات يجعل تحديد الجهة المسؤولة بصورة مباشرة عن التخطيط والتنفيذ والمتابعة والمحاسبة أمرًا أكثر صعوبة، داعيًا إلى إنشاء إدارة متخصصة وموحدة للتشجير تتولى وضع المعايير والخطط وتنسيق عمليات الزراعة والحفاظ على الأشجار.
ويأتي هذا الطرح في وقت أثارت فيه عمليات إزالة أشجار في بعض مناطق القاهرة والجيزة جدلًا عامًا واسعًا، بالتزامن مع الدعوات إلى التوسع في التشجير. وأصبح السؤال المطروح لا يتعلق فقط بعدد الأشجار التي تزرع سنويًا، وإنما أيضًا بعدد الأشجار التي يجري الحفاظ عليها، ومصير الأشجار المعمرة التي تتعارض مع بعض مشروعات التطوير.
وفي هذا السياق، قال وزير البيئة الأسبق خالد فهمي إن الغطاء الشجري في مصر يمثل موردًا نادرًا يجب الحفاظ عليه، داعيًا إلى استخدام الحلول الهندسية التي تقلل أعداد الأشجار التي يتم قطعها عند تنفيذ المشروعات، مع بحث آليات لتعويض الفاقد وزيادة أعداد الأشجار.
وبذلك تبدو سياسة مصر تجاه الأشجار أمام مرحلة جديدة، عنوانها المعلن وقف القطع، والتوسع في الزراعة، واختيار الأنواع وفق طبيعة كل محافظة، واستخدام مصادر مياه غير تقليدية، وإدخال الأشجار في عملية التخطيط العمراني.
لكن نجاح هذه السياسة لن يقاس فقط بعدد الشتلات التي تزرعها الدولة، وإنما بقدرتها على ضمان بقاء الأشجار ونموها، وحماية الأشجار القائمة، وربط التشجير باحتياجات الزراعة والمياه والمناخ والتخطيط العمراني في منظومة واحدة.

