يحتاج النبات إلى السماد حتى ينمو وينتج، لكن المزيد لا يعني دائمًا محصولًا أكبر.
في الأراضي التي تعاني أصلًا من الملوحة، يمكن أن تصبح إدارة التسميد أكثر حساسية؛ فبعض الأسمدة، خصوصًا النيتروجينية، تضيف أملاحًا ذائبة إلى التربة، بينما يؤدي الإفراط في استخدامها إلى زيادة مخاطر تراكم الأملاح، خاصة عندما تتزامن المشكلة مع مياه ري رديئة أو صرف غير كافٍ.
وتشير دراسة حديثة لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية عن الزراعة في مصر إلى أن الإفراط في استخدام الأسمدة، وخصوصًا النيتروجينية، يمكن أن يساهم مباشرة في ملوحة التربة بسبب إطلاق الأملاح الذائبة فيها. كما تقدر الدراسة أن الملوحة تؤثر في نحو 23–35% من الأراضي الزراعية المصرية، مع اختلاف التقديرات بحسب مصادر البيانات وطريقة القياس.
أرض تحت الضغط
الملوحة ليست مشكلة جديدة في مصر، لكنها تصبح أكثر تعقيدًا عندما تجتمع عدة عوامل في الحقل نفسه.
ومن أبرزها ارتفاع منسوب المياه الأرضية، وضعف الصرف، والري بمياه ذات جودة منخفضة، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي، إضافة إلى تسرب مياه البحر في المناطق الساحلية.
وتشير OECD إلى أن تداخل مياه البحر يمثل عاملًا مهمًا في ملوحة الأراضي، خصوصًا في مناطق الدلتا السفلى، بينما يمكن أن يزيد تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر من خطر تسرب المياه المالحة إلى المناطق الساحلية.
والسماد؟
المشكلة ليست في السماد نفسه.
النبات يحتاج إلى النيتروجين والفوسفور والبوتاسيوم وغيرها من العناصر، لكن الكمية المناسبة تختلف بحسب نوع المحصول والتربة ومرحلة النمو ومياه الري.
ولهذا فإن إضافة جرعات أكبر من احتياجات النبات لا تعني بالضرورة زيادة الإنتاج.
وتوضح دراسة عن كفاءة استخدام النيتروجين في نظم زراعة القمح المكثفة في مصر أن متوسط كفاءة استخدام النيتروجين لدى المزارعين كان أقل من 30%، ما يعني أن جزءًا كبيرًا من النيتروجين المضاف لا يتحول إلى إنتاج نباتي، وأن تحسين طريقة إدارة السماد والمياه يمكن أن يرفع الكفاءة ويقلل الخسائر والتكاليف.
مشكلة مزدوجة
عندما تكون الأرض مالحة، يصبح الأمر أكثر تعقيدًا.
فالأملاح الموجودة في منطقة الجذور يمكن أن تجعل امتصاص النبات للمياه والعناصر الغذائية أكثر صعوبة، بينما يؤدي سوء إدارة الري والصرف إلى استمرار تراكم الأملاح.
وهنا لا يكون الحل ببساطة في إضافة مزيد من السماد لتعويض ضعف نمو النبات.
بل تبدأ المعالجة من المياه والصرف وتحليل التربة وإدارة العناصر الغذائية.
وتؤكد الفاو أن السيطرة طويلة المدى على الملوحة تحتاج إلى صرف جيد، مع غسل الأملاح من منطقة الجذور عندما تكون الظروف مناسبة، واختيار المحاصيل الأكثر تحملًا للملوحة عند الضرورة.
تجربة مصرية
وتظهر النتائج العملية أن استعادة الأراضي المالحة ليست مستحيلة.
فمشروع نفذته «إيكاردا» بالتعاون مع الفاو ووزارة الموارد المائية والري في مصر، وشمل مناطق من كفر الشيخ والمنيا وقنا، استخدم حزمة من الممارسات التي جمعت بين تحسين الصرف وإدارة المياه والزراعة الذكية مناخيًا.
وفي إحدى التجارب بكفر الشيخ، انخفضت ملوحة التربة بنسبة تراوحت بين 71 و94% خلال فترة المشروع، كما تحسنت كفاءة استخدام الأسمدة وارتفعت إنتاجية بعض الحقول.
وفي المشروع نفسه، ساهم استخدام آلة جديدة لتجهيز المصاطب في خفض استهلاك المياه وتكاليف الضخ بنحو 25%، وتقليل استخدام البذور إلى النصف، وتحسين كفاءة استخدام الأسمدة بنحو 30%، مع زيادة في المحصول بلغت نحو 30% وفق نتائج المشروع.
الجبس يدخل المعركة
ومن الأدوات المستخدمة في تحسين بعض الأراضي المتأثرة بالصوديوم الجبس الزراعي.
وفي مايو 2025 أعلنت وزارة الزراعة توريد 11 ألف طن من الجبس الزراعي لجهاز تحسين الأراضي، في إطار دعم أعمال تحسين خواص التربة.
وتوضح الوزارة أن الجبس يساعد في الأراضي القلوية التي تحتوي على مستويات مرتفعة من الصوديوم، من خلال إحلال الكالسيوم محل الصوديوم وتحسين بناء التربة ونفاذيتها للمياه.
لكن الجبس ليس علاجًا عامًا لكل أنواع الملوحة؛ فاختيار المعالجة يعتمد على نوع المشكلة ونتائج تحليل التربة والمياه.
التسميد يبدأ من التحليل
القاعدة الأهم التي تبرز من هذه التجارب هي أن برنامج التسميد لا ينبغي أن يبدأ من كمية اعتاد المزارع استخدامها كل موسم، وإنما من معرفة ما يحتاجه النبات فعلًا.
وتشير الفاو إلى أهمية استخدام تحاليل التربة والأنسجة النباتية لتحديد الاحتياجات الغذائية بصورة أدق، بدل الاعتماد على معدلات عامة لا تراعي دائمًا الاختلاف بين التربة والمحصول والموقع.
وهذا يصبح أكثر أهمية في الأراضي المتأثرة بالملوحة، لأن إضافة عنصر لا تحتاجه الأرض قد لا تزيد الإنتاج، بينما تزيد تكلفة المزارع وتضيف مزيدًا من الأملاح إلى البيئة الزراعية.
سماد أقل.. إدارة أفضل
وهنا يتحول التسميد من عملية تعتمد على الكمية إلى عملية تعتمد على الدقة.
فكل كيلوجرام من السماد يصل إلى النبات في الوقت والكمية المناسبين يمكن أن يكون أكثر قيمة من كمية أكبر تضيع في التربة أو المياه.
ومع تزايد مشكلة الملوحة وضغوط المياه والمناخ، تصبح كفاءة استخدام الأسمدة جزءًا من معركة أكبر: الحفاظ على خصوبة الأرض وإنتاجيتها، وليس فقط زيادة المحصول في موسم واحد.

