كل موسم زراعي يترك وراءه كميات ضخمة من المخلفات؛ سيقان وأوراق وقش ومخلفات تقليم ومحاصيل لا تنتهي قصتها بمجرد انتهاء الحصاد.
لكن هذه البقايا التي تبدو عبئًا على المزارع يمكن أن تتحول إلى سماد عضوي يعود إلى الأرض من جديد، بدلًا من حرقها أو التخلص منها بصورة عشوائية.
وتقدر وزارة الزراعة حجم المتبقيات الزراعية في مصر بنحو 40 إلى 45 مليون طن سنويًا، تشمل مخلفات حقلية ومخلفات محاصيل الخضر والفاكهة. وتستخدم كميات منها بالفعل في إنتاج الأعلاف غير التقليدية والأسمدة العضوية مثل الكمبوست، إلى جانب الطاقة الحيوية وبعض الصناعات الأخرى.
مشروع جديد
وفي سبتمبر 2026، أطلق المجلس القومي للمرأة مرحلة جديدة من مشروع تدوير المخلفات الزراعية لإنتاج الكمبوست في محافظة الجيزة.
المشروع يستهدف تحويل المخلفات إلى منتجات ذات قيمة اقتصادية، مع دعم مشاركة النساء الريفيات في الاقتصاد الأخضر.
وبحسب ما أعلنته الهيئة العامة للاستعلامات، فإن إنتاج الكمبوست يساعد على تحسين جودة التربة والمنتجات الزراعية، وتقليل الاعتماد على الأسمدة الكيميائية، إلى جانب الحد من الآثار البيئية الناتجة عن التخلص غير الآمن من المخلفات الزراعية.
سماد من الحقل
الفكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها تغير طريقة التعامل مع المخلفات.
بدلًا من اعتبار بقايا المحصول مادة يجب التخلص منها، تدخل هذه المخلفات في عمليات تحلل منظمة تنتج مادة عضوية يمكن استخدامها لتحسين التربة.
وتطرح وزارة البيئة المصرية أيضًا نموذجًا استثماريًا لإنتاج الكمبوست الهوائي من المخلفات الزراعية، باعتباره منتجًا يمكن تسويقه للمزارعين كسماد، مع إمكانية إقامة المشروعات في مناطق الدلتا وصعيد مصر حيث تتوافر المواد الخام.
لماذا يحتاجها الحقل؟
الكمبوست لا يقدم للتربة عنصرًا غذائيًا واحدًا فقط، وإنما يضيف مادة عضوية يمكن أن تساعد في تحسين خصائصها.
وهذا مهم خصوصًا في الأراضي التي تعاني من انخفاض المادة العضوية أو تدهور بعض خصائص التربة.
لكن جودة السماد الناتج ليست مضمونة لمجرد استخدام المخلفات؛ فوزارة البيئة تشير إلى ضرورة مراقبة الجودة والفحص المعملي، لأن اختلاف نوع المخلفات وطريقة المعالجة وظروف التشغيل يمكن أن يؤثر في جودة المنتج النهائي، كما أن وجود ملوثات في المواد الخام يمثل خطرًا يجب التعامل معه.
40 مليون طن
حجم المخلفات يجعل القصة أكبر من مجرد مشروع صغير.
فإذا كانت التقديرات الرسمية تتحدث عن 40 إلى 45 مليون طن من المتبقيات الزراعية سنويًا، فإن تحويل جزء أكبر منها إلى أسمدة عضوية يعني إنشاء مصدر محلي لمادة يمكن أن تعود إلى الأرض بدلًا من فقدها.
وهذا يفتح أيضًا مجالًا اقتصاديًا أمام المشروعات الصغيرة والمتوسطة التي يمكن أن تعمل في جمع المخلفات وفرمها ومعالجتها وإنتاج الكمبوست وتسويقه.
وتشير بوابة مصر للاستثمارات الصديقة للبيئة والمناخ إلى أن إنتاج الكمبوست من المخلفات الزراعية يمثل فرصة استثمارية صغيرة يمكن أن تتراوح تكلفتها الاستثمارية الإرشادية بين 500 ألف و5 ملايين جنيه، وفق البيانات المنشورة على البوابة.
المخلفات تدخل الاقتصاد
التوجه لا يقتصر على إنتاج الكمبوست.
ففي مشروع يستهدف 120 قرية في أسيوط وسوهاج وقنا، جرى تدريب 90 من العاملين والمتخصصين في الإرشاد الزراعي على الإدارة المتكاملة للمخلفات، بما يشمل إنتاج الكمبوست والأعلاف والسيلاج والبيوشار والبيوجاز.
ويستهدف المشروع تدريب نحو 4 آلاف مزارع على الإدارة المستدامة للمخلفات الزراعية، ودعم شركات متخصصة لتحويل المخلفات الزراعية والعضوية إلى منتجات ذات قيمة مضافة.
من مشكلة إلى دخل
المعادلة تتغير عندما يصبح للمخلف سعر وقيمة.
المزارع لا يتعامل حينها مع قش أو سيقان أو مخلفات تقليم باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه، وإنما باعتبارها مادة خام يمكن جمعها ومعالجتها وبيعها أو استخدامها في المزرعة.
وهنا تلتقي ثلاثة أهداف في مشروع واحد: تقليل المخلفات، تحسين التربة، وخلق نشاط اقتصادي جديد.
لكن هناك شرط
التحول إلى السماد العضوي لا يعني الاستغناء الكامل عن الأسمدة الكيميائية في كل الحالات.
فالاحتياجات تختلف بحسب نوع المحصول والتربة ونتائج تحليلها، كما أن الكمبوست نفسه يجب أن ينتج وفق مواصفات تضمن سلامته وجودته.
ولهذا تتجه وزارة الزراعة إلى دعم التحول نحو الزراعة النظيفة والتوسع في استخدام المركبات الحيوية والعضوية، مع تقليل الاعتماد على الأسمدة النيتروجينية والفوسفاتية في إطار استراتيجية التنمية الزراعية المستدامة.
ثروة في الحقل
القصة في النهاية ليست عن «التخلص من المخلفات» فقط.
إنها عن إعادة إدخال جزء من الموارد التي خرجت من الأرض إلى دورة الإنتاج مرة أخرى.
مخلف يتحول إلى سماد، والسماد يعود إلى التربة، والتربة تنتج محصولًا جديدًا.
وهكذا يمكن أن تتحول ملايين الأطنان من البقايا الزراعية من مشكلة بيئية إلى جزء من اقتصاد زراعي أكثر كفاءة واستدامة.

