صادرات القطن المصري تتجاوز 13.5 ألف طن في شهرين.. والهند في الصدارة وغضب المزارعين يفتح ملف عدالة الأسعار
في الوقت الذي تواصل فيه صادرات القطن المصري جذب الأسواق الخارجية، مع استحواذ الهند على النصيب الأكبر من الشحنات خلال بداية الموسم التصديري 2026/2027، تتصاعد في المقابل تساؤلات المزارعين بشأن أسعار بيع المحصول في المزادات المحلية، ومدى انعكاس الطلب الخارجي على العائد الذي يحصل عليه الفلاح.
وتكشف هذه المفارقة عن تحدٍ يواجه منظومة القطن المصري: كيف يمكن تحويل الطلب العالمي على القطن المصري إلى عائد مجزٍ للمنتج المحلي، بما يشجعه على مواصلة زراعة المحصول الاستراتيجي، ويحافظ على المساحات المزروعة، ويضمن استدامة الإمدادات لصناعة الغزل والنسيج؟
الهند تستحوذ على الحصة الأكبر
أظهرت بيانات تقرير صادر عن اتحاد مصدري الأقطان، اطلعت عليه جريدة «المال»، أن صادرات القطن المصري سجلت نحو 13 ألفًا و592 طنًا خلال الفترة من أول سبتمبر حتى أول نوفمبر 2026، مع تصدر الهند قائمة الأسواق المستوردة.
واستوردت الهند نحو 10 آلاف و729.2 طن، تلتها الصين بنحو 853 طنًا، ثم ألمانيا بـ760 طنًا، وباكستان بـ500 طن، وسويسرا بـ470 طنًا، وسلوفينيا بـ125 طنًا، وتركيا بـ76 طنًا، والمنطقة الحرة داخل مصر بـ52 طنًا، والبحرين بـ26 طنًا.
وتعكس هذه الأرقام استمرار حضور القطن المصري في الأسواق الخارجية، خاصة السوق الهندية، التي تستحوذ على النصيب الأكبر من الشحنات في بداية الموسم. كما تشير إلى أهمية تنويع الأسواق التصديرية وعدم الاعتماد على عدد محدود من الوجهات، بما يعزز قدرة القطاع على مواجهة تقلبات الطلب والأسعار عالميًا.
صادرات قوية..و أزمة المزادات مستمرة
على الجانب الآخر، لم تمر بداية موسم تسويق القطن المحلي دون اعتراضات من بعض المزارعين على مستويات الأسعار التي أسفرت عنها المزادات، وسط مخاوف من عدم تناسب العائد مع تكاليف الزراعة والجني والخدمة، وما يتحمله المنتج من أعباء طوال الموسم.
وكانت اعتراضات المزارعين قد ظهرت مع انطلاق مزادات الموسم في الفيوم مطلع أكتوبر، إذ نقلت تقارير صحفية عن رئيس اتحاد الفلاحين انتقادات لمستويات الأسعار، وأشار إلى أن بعض المنتجين اضطروا للبيع تحت ضغط الالتزامات والديون، مطالبًا بتدخل يحمي زراعة القطن ويضمن عائدًا مناسبًا للفلاح.
وفي المقابل، أوضح مسؤولون بوزارة الزراعة أن الاعتراض في أحد المزادات تعلق برسالة محددة، وأن عمليات البيع استمرت بصورة طبيعية، مع قبول تأجيل إعادة طرح الكمية محل الاعتراض في مزاد لاحق. وأكدت الوزارة أن منظومة التسويق تستهدف الوصول إلى أفضل سعر ممكن للمزارع.
وتكشف هذه التصريحات عن اختلاف في تقييم نتائج المنظومة بين بعض المزارعين والجهات المشرفة عليها؛ فبينما ترى الجهات الرسمية أن المزايدة العلنية تتيح المنافسة وتحديد السعر وفقًا للجودة والطلب، يركز المنتجون على المحصلة النهائية التي يحصلون عليها بعد خصم تكاليف الإنتاج والالتزامات المالية.
أسعار المزادات.. ما الذي تقوله الأرقام؟
شهدت مزادات الوجه القبلي في بداية الموسم بيع نحو 29.3 ألف قنطار من أصناف جيزة 98 وجيزة 95، وتراوحت الأسعار التي أُعلن عنها في أولى المزادات بين 8 آلاف و400 جنيه و9 آلاف و200 جنيه للقنطار، وفقًا لما نشرته تقارير صحفية.
وفي مزاد لاحق بمحافظة الفيوم، أوردت «المال» أن الكميات التي رست بلغت نحو 11 ألفًا و453 قنطارًا، بأسعار تراوحت بين 9 آلاف و320 جنيهًا و9 آلاف و540 جنيهًا للقنطار.
وتختلف الأسعار بحسب الصنف والجودة والمحافظة ونتائج المنافسة في كل مزاد؛ لذلك لا يمكن التعامل مع سعر واحد باعتباره سعرًا عامًا لكل محصول القطن في الجمهورية. كما أن ارتفاع سعر الترسية في مزاد بعينه لا يحسم وحده مدى عدالة العائد بالنسبة إلى جميع المزارعين، ما لم تتم مقارنته بتكاليف الإنتاج وصافي الربح.
غياب سعر الضمان
وتستند منظومة تداول القطن الحالية إلى المزادات العلنية وسعر فتح يُحدد وفقًا لمؤشرات الأسعار العالمية والعوامل المرتبطة بجودة القطن المصري، على أن يتحدد السعر النهائي وفقًا للمزايدة وحجم الطلب والمنافسة بين الشركات.
وكانت تصريحات مسؤولي منظومة تداول القطن قد أكدت عدم العودة إلى نظام سعر الضمان المسبق، مع استمرار الاعتماد على المزادات منذ موسم 2020/2021.
وهنا تبرز نقطة الخلاف الأساسية: هل تكفي آليات العرض والطلب وحدها لضمان حصول المزارع على عائد يغطي التكلفة ويحقق هامش ربح يشجعه على الاستمرار؟ أم أن السوق تحتاج إلى أدوات مساندة، مثل تحسين المنافسة بين الشركات، وإتاحة معلومات الأسعار بشفافية، وضمان سرعة صرف المستحقات، وتطوير آليات حماية المنتج من البيع الاضطراري؟
وتزداد أهمية هذا النقاش في ظل ما أُعلن عن صرف 70% من قيمة المحصول خلال أسبوع من إجراء المزاد، على أن تُصرف النسبة المتبقية بعد 15 يومًا، وهي آلية تستهدف تقليل فترة انتظار المزارع لمستحقاته، لكنها لا تلغي أهمية الوصول إلى سعر بيع مناسب من البداية.
استدامة المحصول مرهونة بالعائد
وبحسب المصادر التي نقلت عنها «المال»، بلغت المساحة المزروعة بالقطن خلال الموسم الحالي نحو 205 آلاف فدان، مقارنة بنحو 195 ألف فدان في الموسم السابق، بما يعكس زيادة في المساحة المزروعة.
وانطلق الموسم التصديري في الأول من سبتمبر 2026، ويستمر حتى نهاية أغسطس 2027، بالتزامن مع بدء جني المحصول في محافظات الصعيد، ثم مناطق الوجهين البحري والوسطى.
وكان الموسم التصديري السابق 2025/2026 قد سجل صادرات بلغت نحو 64 ألفًا و60 طنًا، مقابل 39 ألفًا و216 طنًا خلال الفترة المقابلة من الموسم السابق عليه، بقيمة تجاوزت 205 ملايين دولار، وفق البيانات التي نشرتها «المال» نقلًا عن اتحاد مصدري الأقطان.
وتعطي هذه المؤشرات صورة عن تحسن حركة التصدير وزيادة الطلب على القطن المصري، لكنها تطرح في الوقت نفسه ضرورة الربط بين نجاح التصدير واستقرار دخل المزارع؛ فاستمرار زيادة المساحات والإنتاج لا يتوقف فقط على توافر الأسواق الخارجية، وإنما يرتبط أيضًا بقدرة المنتج على تحقيق عائد اقتصادي يشجعه على زراعة القطن في المواسم المقبلة.
المعادلة الصعبة
في النهاية، لا تتمثل القضية في زيادة صادرات القطن المصري وحدها، وإنما في ضمان توزيع القيمة الاقتصادية للمحصول بصورة تحقق مصلحة جميع حلقات المنظومة، بدءًا من المزارع، مرورًا بالتجار وشركات الحليج والتصدير، وصولًا إلى مصانع الغزل والنسيج والأسواق الخارجية.
فإذا كانت الأسواق الدولية تواصل شراء القطن المصري، فإن التحدي المحلي يتمثل في أن ينعكس هذا الطلب على سعر شراء عادل ومستقر، يراعي تكاليف الإنتاج ويضمن هامش ربح مناسبًا للمنتج.

