قد لا يكون الحل في مواجهة الآفات الزراعية هو زيادة جرعة المبيد، وإنما إيصال المادة الفعالة بصورة أكثر كفاءة.
هذا ما اختبرته دراسة مصرية حديثة نشرت في دورية Scientific Reports التابعة لـ«Nature» في مارس 2026، من خلال تجربة حقلية على محصول الذرة في مصر، استخدمت مبيد «إيمامكتين بنزوات» في صورة نانوية، إلى جانب جسيمات نانوية من السيليكا، لمواجهة دودة الحشد الخريفية.
تجربة في الفيوم
أجريت التجربة الحقلية خلال موسم خريف 2024 في المزرعة التجريبية لكلية الزراعة بجامعة الفيوم، وشملت عشرة معاملات مختلفة، مع تكرار كل معاملة أربع مرات.
الباحثون لم يختبروا المبيد النانوي وحده فقط، وإنما درسوا أيضًا دمجه مع جسيمات نانوية من ثاني أكسيد السيليكون «SiO₂»، جرى تصنيعها بطريقة خضراء.
والفكرة أن السيليكا لا تعمل فقط كحامل للمادة المبيدة، بل يمكن أن تعزز دفاعات النبات نفسه، بينما تساعد الصيغة النانوية للمبيد على رفع كفاءته في مواجهة الآفة.
الهدف.. دودة شرسة
اختارت الدراسة دودة الحشد الخريفية لأنها من الآفات شديدة الضرر بالذرة، ولأن قدرتها على تطوير مقاومة لبعض المبيدات تجعل مكافحة الإصابة أكثر صعوبة.
وفي التجارب المعملية، أظهرت الصيغة النانوية من الإيمامكتين بنزوات فعالية أعلى من المادة التقليدية في بعض الاختبارات، كما أدى الجمع بين المبيد النانوي وجسيمات السيليكا إلى تأثير تآزري في مكافحة اليرقات.
وفي التجربة الحقلية، وصلت الوفيات الأولية لليرقات إلى 100% في المعاملات المختبرة، بينما أدى أحد التركيبات إلى خفض الضرر الذي أصاب أوراق الذرة بنسبة 86.4% بعد الرشة الثانية.
المفاجأة في الجرعة
اللافت في النتائج أن أفضل معاملة لم تعتمد على الجرعة الكاملة التقليدية من المبيد.
فقد استخدم الباحثون تركيبة تضم ثلاثة أرباع جرعة المبيد النانوي مع جسيمات السيليكا النانوية، وحققت هذه المعاملة نتائج مكافحة قوية للآفة، بالتزامن مع تحسن عدد من المؤشرات الفسيولوجية للنبات.
وهنا تظهر إحدى أهم أفكار تكنولوجيا المبيدات النانوية: رفع كفاءة المادة الفعالة بدلًا من زيادة كميتها.
54.5% زيادة
النتيجة الأكثر إثارة ظهرت في المحصول.
حققت معاملة ثلاثة أرباع المبيد النانوي مع السيليكا النانوية محصولًا بلغ 6.83 طن للهكتار، مقارنة بنحو 4.42 طن للهكتار في معاملة المقارنة.
أي زيادة بلغت 54.5% وفق نتائج الدراسة.
كما حققت معاملة المبيد النانوي وحده زيادة بلغت 50.9% مقارنة بالمعاملة الضابطة.
ولا تعني هذه النتيجة أن كل استخدام للنانو سيحقق الزيادة نفسها؛ فهي نتيجة لتجربة محددة على الذرة وفي ظروف محددة، وهو فارق مهم عند تقييم التكنولوجيا.
النانو لا يقتل الآفة فقط
الدراسة وجدت أن السيليكا النانوية أحدثت تغيرات في تركيب أوراق الذرة، من بينها زيادة سمك نصل الورقة والعروق والحزم الوعائية.
كما ارتبطت المعاملة بتحسين البناء الضوئي وزيادة محتوى السيليكون ومساحة الأوراق.
بمعنى آخر، لم تكن الفكرة مجرد إيصال مبيد أكثر قوة إلى الحشرة، وإنما الجمع بين مكافحة الآفة وتقوية قدرة النبات على تحمل الإصابة.
كيف تعمل؟
بحسب الدراسة، تعمل جسيمات السيليكا النانوية في أكثر من اتجاه.
فهي تساعد على تكوين حواجز ميكانيكية داخل أنسجة النبات، ويمكن أن تقلل قابلية الأوراق للتغذي عليها، بينما ترتبط كذلك بتنشيط بعض آليات الدفاع النباتية.
وفي الوقت نفسه، يمكن للصيغة النانوية من المبيد أن تعزز وصول المادة الفعالة وتأثيرها على الآفة.
وهذا هو ما تصفه الدراسة بأنه تأثير متكامل يجمع بين المكافحة الكيميائية وتعزيز دفاعات النبات.
هل يعني ذلك نهاية المبيدات التقليدية؟
ليس بعد.
فالدراسة تقدم نتيجة واعدة، لكنها لا تعني أن المبيدات النانوية أصبحت بديلًا جاهزًا لكل المبيدات التقليدية.
وتشير مراجعة علمية حديثة في Nature Reviews Earth & Environment إلى أن المبيدات والأسمدة النانوية ما زالت تمثل أقل من 1% من سوق المدخلات الزراعية عالميًا، رغم إمكاناتها في رفع كفاءة توصيل المواد وتقليل الأثر البيئي. كما تؤكد المراجعة ضرورة تقييم المخاطر البيئية والصحية لهذه المواد مع توسع استخدامها.
وهنا تظل هناك أسئلة تحتاج إلى مزيد من الدراسات: ماذا يحدث للجسيمات النانوية بعد وصولها إلى التربة؟ وكيف تتصرف في المياه؟ وما تأثير الاستخدام المتكرر على الكائنات غير المستهدفة؟ وما المتبقيات التي يمكن أن تصل إلى الغذاء؟
من المبيد إلى “المبيد الذكي”
التحول الذي تفتح له هذه التجارب الباب لا يتعلق فقط بتغيير حجم جزيئات المادة الفعالة.
الفكرة الأوسع هي الوصول إلى مبيد يستطيع الوصول إلى الهدف بكفاءة أكبر، وبكمية أقل، وفي الوقت والمكان المناسبين.
وبالنسبة للمزارع، قد يعني نجاح هذه التكنولوجيا مستقبلًا تقليل كمية المادة الكيميائية المستخدمة مع الحفاظ على مستوى مكافحة الآفة.
لكن الطريق من تجربة حقلية ناجحة إلى منتج تجاري واسع الاستخدام يحتاج إلى تجارب إضافية، وتقييمات للسلامة والبيئة، واعتماد رسمي قبل التوسع في الاستخدام.
والتجربة المصرية في الفيوم تقدم نموذجًا واضحًا لما يمكن أن يحدث عندما تلتقي تكنولوجيا النانو مع حماية النبات: مبيد بجرعة أقل، نبات أكثر قدرة على المقاومة، ومحصول أعلى — لكن مع حاجة إلى مزيد من البحث قبل تحويل النتيجة العلمية إلى ممارسة زراعية واسعة.

