لم يعد تغير المناخ بالنسبة لدلتا النيل مجرد ارتفاع في درجات الحرارة أو موجات جوية متطرفة؛ فهناك خطر آخر يتقدم ببطء نحو الأراضي الزراعية: ارتفاع مستوى سطح البحر وتداخل المياه المالحة مع التربة والمياه الجوفية.
وتضع دراسة حديثة صادرة عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية «OECD» مشكلة ملوحة الأراضي ضمن أبرز التحديات التي تواجه الزراعة المصرية، مشيرة إلى أن تغير المناخ وارتفاع مستوى سطح البحر قد يزيدان من تسرب مياه البحر إلى المناطق الساحلية، خصوصًا في شمال الدلتا.
ملوحة تتقدم
المشكلة لا تبدأ عندما تغمر مياه البحر الحقول.
فارتفاع مستوى سطح البحر يمكن أن يدفع المياه المالحة إلى المناطق الساحلية، بما يرفع ملوحة التربة والمياه الجوفية، ويضعف قدرة الأراضي على إنتاج المحاصيل.
وتشير «OECD» إلى أن مصر من أكثر الدول تأثرًا بمشكلة ملوحة التربة، وأن دراسات سابقة قدرت تأثر نسبة كبيرة من الأراضي الزراعية بالملوحة، مع كون مناطق الدلتا السفلى أكثر عرضة للمشكلة بسبب قربها من البحر.
أما منظمة الأغذية والزراعة «فاو»، فتقدر أن نحو 15% من أكثر الأراضي الزراعية خصوبة في دلتا النيل تتأثر بالفعل بارتفاع مستوى سطح البحر وتداخل المياه المالحة.
الخطر لا يتوقف
والملوحة ليست الخطر الوحيد.
دراسة علمية حديثة نشرتها «Scientific Reports» في يوليو 2026، تناولت مسارات تأثير تغير المناخ على المزارعين في سبع محافظات زراعية مصرية، أشارت إلى أن ارتفاع مستوى البحر يؤدي إلى زيادة تداخل المياه المالحة وتملح التربة في دلتا النيل، بينما تواجه مناطق الصعيد ضغوطًا مختلفة مرتبطة بارتفاع الحرارة ونقص المياه.
وتشير الدراسة إلى أن بعض المواسم شهدت خسائر في إنتاج المحاصيل مرتبطة بالملوحة وصلت، وفق الدراسات التي استندت إليها، إلى 30–40% في بعض الحالات.
وهذا يعني أن التغير المناخي لا يهدد محصولًا بعينه فقط، وإنما يمكن أن يغيّر تدريجيًا قدرة الأرض نفسها على الإنتاج.
تقرير مصري
وفي مايو 2026، كشف تقرير أعده خبراء في الزراعة الذكية والتنمية الزراعية المستدامة بجامعة القاهرة عن استخدام الذكاء الاصطناعي لتقييم وإدارة مخاطر تدهور التربة الزراعية في دلتا النيل تحت تأثير تغير المناخ وارتفاع منسوب سطح البحر.
التقرير رصد مجموعة من الضغوط المتداخلة، بينها زيادة ملوحة التربة والمياه الجوفية، وتغلغل المياه المالحة، وتراجع خصوبة الأراضي، والجفاف وارتفاع درجات الحرارة والتعرية.
ولم يتوقف التقرير عند الخصائص الكيميائية والفيزيائية للتربة، بل أشار أيضًا إلى التأثير المحتمل لهذه الضغوط على التوازن الحيوي داخلها، بما في ذلك الكائنات الدقيقة المسؤولة عن تدوير العناصر الغذائية ودعم صحة النبات.
حائط أخضر
في مواجهة الخطر، لا تعتمد مصر على حل واحد.
وتنفذ وزارة الموارد المائية والري مشروعًا للتكيف مع تغير المناخ في دلتا النيل والساحل الشمالي، يستهدف حماية 69 كيلومترًا في خمس مناطق ساحلية شديدة الخطورة، باستخدام حلول قائمة على الطبيعة للحد من مخاطر ارتفاع مستوى سطح البحر والفيضانات الساحلية.
ويشمل المشروع محافظات البحيرة وكفر الشيخ والدقهلية وبورسعيد ودمياط الجديدة، مع خطة أوسع لإدارة ساحل البحر المتوسط تمتد لنحو 1200 كيلومتر، ودراسة المخاطر المحتملة حتى عام 2100.
وفي أغسطس 2026، قالت وزارة الموارد المائية والري إن المشروع حقق نتائج مهمة، وإنها تدرس تنفيذ مرحلة ثانية لاستكمال حماية المناطق الساحلية الأكثر تعرضًا لتأثيرات تغير المناخ.
الأرض أولًا
أهمية هذه الإجراءات تتجاوز حماية الشاطئ.
فوزارة الموارد المائية والري تؤكد أن حماية السواحل تستهدف أيضًا حماية الأراضي الزراعية من التآكل والتملح والحفاظ على قدرتها الإنتاجية. وتقول الوزارة إن أعمال الحماية المنفذة ضمن المشروع وصلت إلى 58 كيلومترًا، مع استكمال أعمال أخرى بطول 11 كيلومترًا في الدقهلية.
وتصبح المعركة هنا مختلفة: ليست فقط ضد مياه قد تصل إلى القرى والمنشآت، وإنما ضد تغيرات تدريجية يمكن أن تجعل الأرض الزراعية أقل إنتاجية قبل أن تصل المياه إليها بصورة مباشرة.
الذكاء الاصطناعي يدخل الحقل
وتقترح دراسة جامعة القاهرة استخدام الذكاء الاصطناعي في تقييم مخاطر تدهور التربة، بما يسمح برصد المناطق الأكثر تعرضًا للخطر ودعم اتخاذ القرار الزراعي.
أما على مستوى الإدارة الزراعية، فتشير «OECD» إلى مجموعة من إجراءات التعامل مع الملوحة، من بينها تحسين الصرف، وإدارة مياه الري، واستخدام محاصيل وأصناف أكثر تحملًا للملوحة، مع مراعاة التداخل بين الملوحة والحرارة ونقص المياه عند اختيار المحاصيل.
معركة طويلة
المشكلة إذن ليست سيناريو مستقبليًا بعيدًا؛ فجزء من الأراضي الخصبة في الدلتا يتأثر بالفعل بارتفاع مستوى سطح البحر وتداخل المياه المالحة، بينما تتجه مصر إلى مشروعات حماية وتكيف تمتد خططها إلى عام 2100.
وبينما يواصل البحر الضغط على المناطق الساحلية، يصبح الحفاظ على الأرض الزراعية مرتبطًا بقدرة مصر على إدارة المياه والتربة والساحل والمناخ في وقت واحد.
فالمعركة الحقيقية ليست فقط لمنع البحر من الوصول إلى الحقول، وإنما للحفاظ على قدرة الحقول على إنتاج الغذاء في مناخ يتغير.

